ابن عجيبة
389
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود ، وَلا تَفْتِنِّي ؛ ولا توقعنى في الفتنة ، أي : في العصيان والمخالفة ، بأن تأذن لي ، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف ، أذن أو لم يأذن ، أو في الفتنة ؛ بسبب ضياع المال والعيال ؛ إذ لا كافل لهم بعدي ، أو في الفتنة بنساء الروم ، كما قال الجدّ بن قيس : قد علمت الأنصار أنى مولع بالنساء ، فلا تفتني ببنات بنى الأصفر ، ولكني أعينك بمال ، واتركني . قال تعالى : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي : إن الفتنة هي التي سقطوا فيها ، وهي فتنة الكفر والنفاق ، لا ما احترزوا عنه ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ، أي : دائرة بهم يوم القيامة ، أو الآن ؛ لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها ، ومن أعظم أسبابها : بغضك وانتظارهم الدوائر بك . إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ؛ كنصر أو غنيمة في بعض غزواتك ، تَسُؤْهُمْ ؛ لفرط حسدهم وبغضهم ، وَإِنْ تُصِبْكَ في بعضها مُصِيبَةٌ ؛ ككسر أو شدة كيوم أحد ، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي : يتبجحوا بتخلفهم أو انصرافهم ، واستحمدوا رأيهم في ذلك ، وَيَتَوَلَّوْا عن متحدّثهم ومجمعهم ، أو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَهُمْ فَرِحُونَ مسرورون بما صنعوا من التخلف عن الجهاد . الإشارة : ومن ضعفاء اليقين من يستأذن المشايخ في البقاء مع الأسباب وفتنة الأموال ، ويقول : لا تفتني بالأمر بالتجريد ، فإني لا أقدر عليه ، ويرضى بالسقوط في فتنة الأسباب والشواغل ، فإن ضم إلى ذلك الإنكار على أهل التجريد ، بحيث إذا رأى منهم نكبة أو كسرة من أجل التجريد ، والخروج عن عوائد الناس وما هم عليه ، فرح ، وإذا رأى منهم نصرا وعزا انقبض ، ففيه خصلة من النفاق ، والعياذ بالله . ثم رد عليهم ، بقوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 51 إلى 53 ] قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 ) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ( 53 )